ابن قيم الجوزية
222
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
نشب زقوم الشبه والشكوك في قلوبهم ، فلا يجدون له مسيغا أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً ( 63 ) [ النّساء : 63 ] . تبّا لهم ، ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان ! وما أكذب دعواهم للتحقيق والعرفان . فالقوم في شأن وأتباع الرسول في شأن . لقد أقسم اللّه جلّ جلاله في كتابه بنفسه المقدسة قسما عظيما ، يعرف مضمونه أولو البصائر . فقلوبهم منه على حذر إجلالا له وتعظيما . فقال تعالى تحذيرا لأوليائه وتنبيها على حال هؤلاء وتفهيما فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) [ النّساء : 65 ] . تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه . لعلمه أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه . فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به وكشف ما لديه . وكذلك أهل الريبة يكذبون . ويحلفون ليحسب السامع أنهم صادقون ، قد اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 2 ) [ المنافقون : 2 ] . تبّا لهم ! برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان . فلما رأوا طول الطريق وبعد الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا ، وظنوا أنهم يتمتعون بطيب العيش ولذة المنام في ديارهم . فما متّعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا . فما هو إلا أن صاح بهم الصائح فقاموا عن موائد أطعمتهم والقوم جياع ما شبعوا . فكيف حالهم عند اللقاء ؟ وقد عرفوا ثم أنكروا ، وعموا بعد ما عاينوا الحق وأبصروا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 3 ) [ المنافقون : 3 ] . أحسن الناس أجساما ، وأخلبهم لسانا ، وألطفهم بيانا ، وأخبثهم قلوبا ، وأضعفهم جنانا . فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها . قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها ، لئلا يطأها السالكون * وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول إلى شرق الموتى « 1 » فالصبح عند طلوع الشمس والعصر عند الغروب ، وينقرونها نقر الغراب . إذ هي صلاة الأبدان ، لا صلاة القلوب . ويلتفتون فيها التفات الثعلب ، إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب . ولا يشهدون الجماعة ، بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان ، وإذا خاصم فجر ، وإذا عاهد غدر ، وإذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . هذه معاملتهم للخلق . وتلك معاملتهم للخالق . فخذ وصفهم من أول المطففين ، وآخر وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ( 1 ) [ الطّارق : 1 ] فلا ينبئك عن أوصافهم مثل خبير يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 73 ) [ التّوبة : 73 ] فما أكثرهم ! وهم الأقلون . وما أجبرهم ! وهم الأذلون . وما أجهلهم ! وهم المتعالمون . وما أغرّهم باللّه ! إذ هم بعظمته جاهلون وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) [ التّوبة : 56 ] .
--> ( 1 ) قال في القاموس : شرقت الشمس : ضعف ضوؤها ، أو دنت للغروب . وأضافه صلى اللّه عليه وسلم إلى الموتى فقال : « يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى » لأن ضوءها عند ذلك الوقت ساقط على المقابر ، أو أراد : أنهم يصلونها ولم يبق من النهار إلا بقدر ما يبقى من نفس المحتضر إذ شرق بريقه . اه .